المرأة العربية والقضاء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المرأة العربية والقضاء

مُساهمة من طرف سارة التونسية في الخميس سبتمبر 13, 2007 9:30 am

المرأة العربية والقضاء

إعـــــداد
المحامي/ أحمد علي الوادعي
المرأة العربية والقضاء


مـدخــل:-
في البدء يتعين علي التنبيه إلى أن هذه الورقة أقصر من العنوان الذي اختير لها، وهو (المرأة العربية والقضاء) فالعنوان ـ كما هو واضح ـ يفترض على الورقة أن تأتي حصيلة بحث هو من صميم البحث الاجتماعي بمناهجه، وآلياته الإجرائية المعروفة لدى مدارس علم الاجتماع. والقانون أحد العلوم الاجتماعية. ولأن موضوع العنوان فضفاض، أو بالأقل واسع من حيث شموله حال المرأة مع القضاء في العالم العربي بمختلف أقطاره فإن هذه الورقة لن تتسق مع العنوان المختار لها دون أن تتضمن إجراء مسح يشمل كل الأقطار العربية أو بالأقل تشمل ثلاثة أو أربعة أقطار منها تصلح نموذجاً لباقيها. وكل ذلك لم يكن ميسوراً إن لم يكن مستحيلاً لأن هذا لا ينهض به إلا مجموعة من الباحثين ولسبب آخر هو أن الوقت المقدر لإنجاز هذا البحث أقل من ثلاثة أسابيع وهذا جعل من المستحيل علي وضع بحث في الموضوع خاص باليمن فقط.
وللاعتبارات السابقة لم أجد سبيلاً غير كتابة انطباعات سريعة ومختصرة عن المرأة العربية في اليمن والقضاء ولا شك في زهادة القيمة العلمية لحديث كهذا ولكنه لا يعدم الفائدة لأن هذه الانطباعات نتيجة خبرة لأكثر من ربع قرن كان فيها الكاتب محامياً أمام القضاء اليمني بمختلف درجاته ما مكنه من تكوين صلة مباشرة بموضوع الورقة، خاصة أن له اهتماماً خاصاً بقضايا المرأة عبّر عن ذلك في كتابات منشورة منذ سنوات.
هل للمرأة العربية مشكلة مع القضاء؟
هذا السؤال الغليظ يفرضه العنوان المفترض أن تعالجه الورقة.
وأبادر إلى القول - وبإيجاز أيضاً - أجل إن للمرأة مشكلة مع القضاء ومشكلة عريضة لا تقل شأناً عن مشكلتها مع السلطة السياسية، وبداهةً أن هذه المشكلة تؤطرها (حقوق المرأة العربية).
وأرى أن هذه المشكلة لها عدة أوجه، أهمها:
- حقها في تولي القضاء وأقصد قاضياً جالساً أو قاضيا قائماً، أي محامية تترافع عن الغير أمام القضاء.
- حقها في الحصول على خدمة العدالة المنوطة دستورياً بالقضاء بما في ذلك مساواتها بغيرها أمام القضاء.
ما يجعل مشكلة المرأة العربية مع القضاء معقدة بصورة مضاعفة، وعلى نحو يبدو حتى الآن أنها عصية على الحل هو أن منصب القضاء أياً كان يُعتبر في الثقافة العربية / الإسلامية منصباً دينياً وليس زمنياً، مما رفع مستوى المشكلة إلى مستوى الدين وهو عالي المستوى بالطبع.
فهذه الثقافة لا تسأل عن إجازة الدين الإسلامي للرجل تولي القضاء، بعكس المرأة فلا منفذ لها في الوصول إلى هذا المنصب غير النافذة الدينية فإن يصل الذكر إلى منصب القضاء فهذا أمر بحكم البديهة في عُرف هذه الثقافة، ولكنه يخالف الفطرة ويفتقد البداهة فقط إذا تعلق الأمر بالمرأة.
اللافت للنظر أن الثقافة العربية الإسلامية لا تمنع على المرأة حق التعليم، ولا حق الإحاطة التامة بالقانون الإسلامي(وهو ما يشتغل عليه القاضي) بل ولها حق أن تفتي الناس بحكم هذا القانون في أمر من أمورهم. والشاهد الأول عند علماء الإسلام فتاوى عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله سلم، لكن ليس لها حق أن تحكم بين الناس وفقاً للقانون الإسلامي الذي سبق أن أفتت به.
ولست أعرف من الدين الإسلامي سبباً للتفرقة بين الفتوى والحكم وغالب الظن أن ذلك يرجع إلى أن منصب الإفتاء ليس منصباً حكومياً، ولا جزءاً من مكونات الدولة في الإسلام بخلاف منصب القضاء، كما أن الفتوى فردية يستفيد منها المستفتي الذي طلب بيان أمر ديني يجهله بينما حكم القضاء يتصل بالمجتمع ونظامه السياسي. فالقضاء ثالث سلطة في الدولة ومنصب الفتوى ليس كذلك.
ظلت المرأة في مصر ممنوعةً من تولي القضاء لقرون طويلة ، حتى بداية الألفية الثالثة وبالذات العام 2004م وتحت الضغط الخارجي طبعاً فوجئنا بشيخ الأزهر يصدر فتوى بأنه لا يوجد في الكتاب أو السنة ما يمنع على المرأة تولي القضاء، وفعلاً عينت الدولة ثلاث قاضيات إحداهن في النيابة العامة. وهذه الواقعة تدل على أن ما منع القضاء على المرأة ليس الإسلام في ذاته وإنما القراءة الذكورية للنص المقدس، والمدهش أنه لا توجد حتى الآن قراءة أنثوية للنصوص الأصلية للإسلام ولم تتجرأ امرأة على اجتراح قراءة كهذه رغم حاجتهن إليها ورغم وجود المئات من العربيات مؤهلات لقراءة كهذه.
وفي ندوة نظمتها (اليونسكو) في صنعاء قبل سنوات كنت (ومازلت حتى اليوم) قد دعوت إلى إنشاء مجمع فقهي نسوي يتولى وحده الإفتاء برأي الدين في الشأن الأنثوي كما يقدم قراءة نسوية متحررة من الإرث الذكوري للنص المقدس.
في اليمن دخلت المرأة القضاء في غفلة من الاحتكار الذكوري المزمن للنص الإسلامي المقدس، إذ يوجد في اليمن أكثر من ثلاثين قاضية، ولنا في هذه الواقعة الملاحظات التالية:
1- هؤلاء القاضيات هن في الواقع من جنوب اليمن وبقاؤهن في القضاء بعد الوحدة جزء من الموروث الذي تركته لنا جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ورغم أن هذا الحضور النسوي في القضاء مر عليه عقد ونصف إلا أنه لم يِجْرِ تطويره وتوسيعه كما أن الاحتفاظ به حتى اليوم لم يكن لسواد عيون النساء، وإنما تحت الضغط الخارجي وأخذاً في الاعتبار المنطقة التي منها هؤلاء القاضيات.
2- وفي الحق أنه لا يوجد في القانون اليمني نص يمنع على المرأة تولي القضاء. وحين حدد قانون السلطة القضائية الصادر بداية الوحدة الشروط الواجب توافرها في من يتولى القضاء لم يشترط الذكورة إذ لم يكن أمام المشرع يومها من خيار غير الإبقاء على المكاسب التي تحققت للمرأة على صعيد القضاء في ظل النظام الذي كان يحكم جنوب البلاد، ولذلك تم تثبيت القاضيات الجنوبيات ولكن دون زيادة تُذكر.
3- وإذا كان القانون لا يشترط الذكورة في القاضي،فإن الواقع الاجتماعي ليس على هذا المستوى من التقدم. فهو ما يزال يمنع على المرأة هذا الحق، ولذلك يعمد المسئولون إلى عدم قبول المرأة للدراسة في المعهد العالي للقضاء حتى لا تتأهل لتولي القضاء. أن القانون المذكور يشترط في القاضي أن يكون قد درس في المعهد المذكور بعد حصوله على الشهادة الجامعية، فضلاً عن أن قانون هذا المعهد لا يمنع على المرأة الالتحاق بالمعهد.
4- ويجب التنويه بأن مستوى أداء تلك القاضيات لا يقل عن مستوى أداء القضاة الذكور، بل أثبتت التجربة العملية تفوق بعضهن على زملائهن. وقد وقفتُ على أحكام لهن، وفي بعضها يبدو التفوق على أحكام كثير من القضاة ظاهراً للعيان. وهذا دليل على أن جنس القاضي لا أثر له في العدالة وأن الفوارق بين الجنسين أياً كانت ليست السبب وراء منع المرأة من القضاء، وعلينا أن نبحث عن السبب في التسيد الذكوري المزمن. وبتعبير آخر في النظام الأبوي (البطريركي) الذي تتسم به حياتنا على كل المستويات بما فيها الشأن القضائي من حياتنـا.
واستكمالاً لهذه النقطة يجب التنويه بالآتي:
أولاً: هناك ما يمكن أن أسميه المنع الذاتي من القضاء، وهذا واضح مما هو ملاحظ في الواقع العملي وأقصد به عدم – وبالأدق محدودية – إقبال المتعلمات من النساء على العمل في مجال القضاء وفي مجال المحاماة، ولست أ ملك تفسيراً لهذه الظاهرة غير أني أحدس بأن وراء ذلك عدة عوامل و أسباب من ذلك:
تدني الوعي الحقوقي لدى النساء. وأقصد بذلك أن المرأة في بلادنا لم يتشبع وعيها بعد بحقوقها المكفولة لها في التشريعات والمحجوبة عنها اجتماعياً، بما في ذلك حقها في تولي القضاء، ولهذا تفتقد الحماس والتصميم على الحصول على حقوقها.
وبالإضافة إلى ذلك وبالعكس منه هي مشبعة بالثقافة والرؤى الذكورية. تلقتها من المدرسة والجامعة، وقبل ذلك من الأسرة والمجتمع، وأبرزها مظاهر التسيد الثقافي الذكوري.
إذ أن منصب القضاء كمنصب الخلافة في الثقافة الإسلامية فهو مثلها ذو طابع ديني، ويأتي في الأهمية بعد منصب الخلافة مباشرةً. ولهذا تشدد الفقهاءُ في رسم شروط تولي هذين المنصبين، وعلى رأسها شرط الذكورة. وهذا واضح من أن المرأة تمكنت من الحصول على حقها في العمل وفي التعليم وفي حقوق أخرى، لكن ولايتها القضاء لم يقل به غير قلة لا تُذكر من الفقهاء. وبعد أن تلاقحت الثقافة الإسلامية بالثقافة الغربية في القرنين الماضيين ظهر فقهاء منفتحون أبدوا مواقف وفتاوى تُجاه حقوق المرأة أكثر إيجابية، لكن ظل القضاء مستثنىً كما المناصب السياسية العليا في الدولة.
وتظافرت أسبابٌ أخرى إلى ما سبق. فقد أزمن الاحتكار الذكوري لمنصب القضاء، وللنظام العام، فتكوّن رأيٌّ عامٌ جعل دخول المرأة القضاء محل استهجان وتندر في المجتمع ليس من الرجال وإنما عند النساء كذلك. ولا يمكن التغلب على هذا الوضع إلا بتفكيك هذه الثقافة، وهذا الموروث الهائل من التسيد الذكوري، وإحلال ثقافة وأوضاع لا ترتب على الاختلاف الجنسي آثاراً حقوقية. وهذا يلقي على المرأة أعباءً جساماً لم ولن تؤهلها بيئتها للنهوض بها.
بقي أن نتحدث باختصار عن المرأة والقضاء من حيث إن المرأة تحتاج - كسائر المواطنين - إلى خدمات القضاء.
وفي هذا الشأن تجمعت لدي ملاحظات تحصلتها من مشاهداتي اليومية لحال المرأة وهي تلجأ إلى القضاء. أجملها في الآتي:
1- في البدء تبرز ملحوظة ذات دلالة، مختصر القول فيها إن المرأة قد تكون أمام القضاء مدعية أو مُدعَّى عليها، وهذا لا شيء فيه فهو وضع طبيعي في كل خصومة سواءً كانت بأطراف رجالية أم نسائية. ما هو لافت للنظر أن المرأة غالباً ما تكون مدعية أمام القضاء ونادراً هي الخصومات التي تكون فيها مُدَّعى عليها، وهذا – في راجح الرأي – يرجع إلى أن المرأة هي التي يقع عليها الظلم في الأغلب من الأحوال وهي التي تبحث عن علاقة عادلة خالية من الحيف والتحيز مع الرجل أو مع المجتمع. وهذا إنما هو انعكاس لوضعها المتدني في المجتمع، وأن بنية المجتمع الذي تعيش فيه مضادة للمرأة.
2- ويلاحَظ – ثانياً – أن المرأة اليمنية قلما تلجأ إلى القضاء لأخذ حق سُلب منها أو دفع ظلم يوشك أن يقع عليها. وهذه الظاهرة بحاجة إلى بحث ودراسة للوقوف على خلفياتها الاجتماعية والثقافية والسيكولوجية، ولكن من السهل رصد الوقائع التالية:
معظم الخصومات التي تكون المرأة طرفاً فيها تتعلق بالأحوال الشخصية (العلاقة الزوجية – الإرث) ونادراً جداً ما تراها طرفاً في خصومة تجارية أو عقارية، أو جنائية. وهذه الواقعة جديرة بالوقوف عندها فهي تكشف جانباً من إشكالية المرأة اليمنية مع القضاء، والمتمثل في أن المرأة تلجأ إلى القضاء بمناسبة مظلمة واقعة عليها أو توشك أن تقع عليها، ودائماً يكون الظلم هذا من رجل هو إما الزوج في قضايا الزوجية تريد الزوجة فسخ الزوجية بعد أن أصبح الزوج عبئاً جائراً عليها لسبب من الأسباب أو تطلب نفقة لها أو لأولادها حيث يكون الزوج قد منع عليها هذا الحق، وإما أن يكون الطرف الآخر أخاها (أو أخوتها) بمناسبة منعها أو عدم تمكينها من حقها في تركة والدها أو تركة والديها معاً. فرغم أن الشريعة الإسلامية كفلت للمرأة قدراً من تركة هؤلاء ورغم أن المجتمع هو بالتأكيد يدين بالإسلام إلا أن كل ذلك لا يشفع للمرأة حين تطلب حقها في الإرث خاصةً إذا تعلق الأمر بالعقارات. فمن المعلوم أن البنت الوارثة من والديها غالباً ما تكون قد غادرت أسرتها، وتزوجت وربما أنجبت من خارج الأسرة وتمكينها من حقها في الإرث بعد والديها يفضي إلى أيلولة بعض العقارات إلى الأسرة الجديدة للمرأة، وهذا لا يطيقه الوارثون معها من الرجال. إذ يشعر اليمني بغضاضة أن يرى أملاك أبيه أو قريبه بيد الغير. ولذلك صار من الشائع في اليمن أن يمنع عليها الرجال الوارثون معها حقوقها في التركة بكل السبل. وهذه الظاهرة مازالت شائعة، سواءً في المدن أم في البوادي وعند القبائل وإن كانت تختلف الصورة التي تظهر بها. فهي في الريف وبين القبائل تكون أقسى وأكثر بروزاً بينما المتمدنون يلجأون إلى الضغط الأدبي على المرأة كي تحرر تنازلاً أو بيعاً بحصتها من التركة إلى كبير العائلة أو إلى شركائها في التركة من الرجال. وبين القبائل اتخذت الظاهرة صورةً فظة في القديم وحتى وقت قريب من أيامنا. فمن المعلوم لدى العارفين بالأعراف والعادات القبلية أن أكثر من قبيلة وضعت قواعد قبلية (اتفاقيات مكتوبة) بعدم توريث المرأة خاصةً من إرثها بعد والدها وزوجها وولدها تفادياً لانتقال الأملاك العقارية للمتوفى إلى خارج العائلة؛ أي إلى الغير لأن هذا – في العرف القبلي – منقصة وعار وإن كانت أحكام الإرث في الإسلام توجبه على سبيل الحتم ويعتبره القرآن الكريم من حدود الله (سورة النساء). فالقيم القبلية في اليمن تعلو على سواها من القيم أياً كانت مرجعيتها. فبنية المجتمع هنا ما تزال – في الأساس – أبوية (بطريركية) المرأة فيها في وضعية أدنى من الرجل الذي يقع في المنزلة الأعلى. فهو رأس الأسرة وتُبنى الأسرة وفقاً لشرط الرجل ومصلحته. والمرأة بسبب ذلك ما تزال أنثى ملحقة بالرجل. فهي إما أم لرجل وإما زوجة لرجل. فلا غرابة أن تكون ظاهرة سلب الرجل حقوق المرأة في الإرث شاملةً المجتمع القبلي والمتمدين بقدر سواء. وفي نهاية الستينيات كانت المحكمة العليا قد فطنت لهذا المشكل من خلال القضايا التي تُعرض عليها فحاولت حل المشكل بأن أصدرت قراراً في أبريل 1968م عبارة عن مبدأ عام ملزم لقضاة البلاد أجمعين. أرى من المفيد ذكره هنا بالنص: (إن كل تصرفات النساء لأقاربهن وأولادهن وأولادهم فيما هو تحت أيديهم من أملاكهن أو تحت نفوذهم لا نفوذ لها سواء كان التصرف بهبة أو نذر أو تمليك أو وقف. إذ لا يكون ذلك (التصرف) إلا لخوف أو حياء أو يأس من تمكينهن وقبضهن لمالهن اللهم إلا إذا كان التصرف بالبيع إلى أقاربهن بدون تغرير ولا تدليس منهم أو من غيرهم ولا خوف ولا غبن عليهن فذلك صحيح).، وهذا القرار له دلالات عدة يجب استحضارها هنا:
1) فهو أولاً يؤكد ما قلناه من أن حرمان المرأة من نصيبها في الإرث ظاهرة اجتماعية عامة ومزمنة فقد أكدتها المحكمة قبل يومنا هذا بأكثر من ثلاثة عقود، إذ لا يمكن أن تتصدى لها بالحل إلا إذا كانت قد أصبحت مشكلةً مقلقةً للمجتمع. وبلغ الظلم الواقع على المرأة حداً لا يجوز السكوت عليه من هيئة قضائية هي بطبيعتها ذكورية وأبعد من أن تصنف ضمن الحركة النسوية إذ لم تكن اليمن آنذاك قد سمعت بهذه الحركة.
2) ويوضح النص الوسائل التي يلجأ إليها أقارب المرأة في سلبها حقوقها التي تحت نفوذهم، وتتمثل في الضغط عليها أو تأييسها من الوصول إلى حقها، أو إحراجها فيه فتضطر مُكرهةً إلى التصرُّف فيه لصالح قرابتها الرجال إما بالهبة أو النذر أو التمليك، أو الوقف، أو البيع.، ولكن النص يفرق بين تصرفها بالبيع أو بغيره كالهبة أو التمليك. فإذا كانت تصرفت في ملكها بغير طريق البيع فهو باطل بمجرده، أي أنه قرينة قاطعة على أنها تصرفت في حقها بدون إرادة حرة منها، ولا تحتاج إلى إثبات بأن ذلك قد تم وإرادتها مسلوبة منها بعامل الخوف أو اليأس أو الضرورة، أما إذا هي تصرفت في حقها بطريق البيع فلا يبطل تصرفها إلا إذا ثبت بالدليل أنه تم بناءً على تغرير أو تدليس أو خوف أفسد إرادتها، أو ثبت وقوع غبن عليها في ثمن المبيع. وهذه التفرقة في الحكم ترجع إلى اختلاف الحالين. فالتصرف في الحقوق بطريق الهبة أو التبرع وما شابه يتم بغير عوض (مقابل) بخلاف التصرف بطريق البيع. إذ تكون المرأة قد قبضت ثمناً مقابل حصتها في التركة. فالظلم في الصورة الأولى بين ولا يحتاج إلى دليل بخلاف الصورة الثانية فهو احتمالي لا يتحقق إلا إذا شابه غبن، أي كان الثمن أقل من ثمن المثل، بحيث يكون الغبن فاحشاً ولكن هذه الفوارق بين الحالين لا تكفي سبباً للتفريق الذي اعتمدته المحكمةُ العليا؛ لأن البيع كالهبة والتبرع من التصرفات الواردة على الملك فضلاً عن أن بيع المرأة حصتها إلى قريبها هو الصورة الشائعة في اليمن التي يلجأ إليها الرجال وسيلة لسلب المرأة حقوقها الإرثية، غير أن الإنصاف يقتضينا التنويه بأن قرار المحكمة أَسَّسَ مبدأً ثميناً انتصر فيه للمرأة، ولحقوقها التي طالما أُهدرت. ورغم أن وكيل وزارة العدل آنذاك المرحوم العلامة عبد الوهاب السماوي عممه على القُضاة ضمن كتيب ضمنه المبادئ التي كانت محكمةُ النقض قد أقرتها آنذاك وأسماه (اختيارات وزارة العدل) إلا أن هذا المبدأ أُهمل، وغيبه الزمن فلم يجد سبيلاً إلى الواقع، حتى أحكام المحكمة التي أرست المبدأ خالية منه منذ البداية.
واللافت للنظر أن أكثر النساء اللائي يلجأن إلى القضاء من الأميات أو أنصاف المتعلمات، ويُفترض أن المتعلمات يبدين شجاعة أكثر في مخاصمة الرجال بحكم أن وعي المتعلمة بحقوقها أفضل من سواها، كما يفترض أنها على شجاعة أدبية أكثر من سواها غير المتعلمات. وهذه المفارقة لا أملك لها تفسيراً يمكن الاطمئنان إليه. فهل يرجع ذلك إلى أن الأمية أو غير المتعلمة لا تدرك أبعاد وتبعات مخاصمة زوجها أو أخيها في ظل مجتمع شرقي يتسم بالمحافظة والانغلاق، بينما ذلك مدرك للمرأة المتعلمة، فهي تدير الأمر وتقلبه على مختلف أوجهه بمحاكمات منطقية فتتردد في اللجوء إلى القضاء، بخلاف الأمية التي تحكم الأمور بمصلحتها الآنية؟ أم أن مرجع ذلك إلى أن المرأة المتعلمة أقدر على حل مشكلتها بنفسها دون حاجة إلى اللجوء إلى القضاء بخلاف غيرها؟ وقد يكون السبب راجعاً إلى أن المتعلمة لا تثق في القضاء في حين غير المتعلمة بالعكس تصدق الشائع المعلن عن استقلال القضاء.

سارة التونسية

انثى
عدد الرسائل : 11
العمر : 32
الإسم بالكامل : سارة صفاقصي
الوظيفة : صحافية إذاعية
الدولة : تونس
تاريخ التسجيل : 12/09/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المرأة العربية والقضاء

مُساهمة من طرف علاء صبيح في الخميس سبتمبر 13, 2007 3:45 pm

سارة التونسية
يسلموا لنقلك الموضوع الرائع

علاء صبيح

ذكر
عدد الرسائل : 12
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى