دور وسائل الإعلام في التوعية في مجال مكافحة العنف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دور وسائل الإعلام في التوعية في مجال مكافحة العنف

مُساهمة من طرف أبو باسل في الجمعة سبتمبر 14, 2007 12:18 am

دور وسائل الإعلام في التوعية في مجال مكافحة العنف

الدكتور حلمي ساري
مقدمة
تستحوذ وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر على اهتمامنا وانتباهنا ، وتكاد تحاصرنا في كل مكان نذهب إليه، وفي جميع الأوقات، إذ أصبحنا عرضة لمضامين ما نشاهده أو نسمعه أو نقرأه يوميا في هذه الوسائل.
ومن هنا فإنه يتحتم على الباحثين دراسة هذه المضامين لمعرفة آثارها ونتائجها علينا. ولا توجد قضية تستوجب اهتمام الباحثين وعنايتهم كقضية العنف الأسري الذي نشاهده يوميا في هذه الوسائل.
فإلى أي مدى نتأثر بالعنف الذي نشاهده في وسائل الإعلام؟ وهل لهذه الوسائل دور في التصدي أو الحد من هذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة التي باتت تقلقنا وتؤرق نومنا، وتنغص علينا حياتنا، وتهدد كياناتنا الأسرية؟
هذا ما ستحاول هذه الورقة الإجابة عليه باختصار واقتضاب.
ولكن قبل الإجابة على هذه التساؤلات، بجدر بنا أن نحدد معنى العنف الأسري ونبين مظاهره وأشكاله التي يتبدى فيها.
تعريف العنف
يكاد يكون من الصعب تقديم تعريف موحد للعنف وذلك لاختلاف اهتمامات وتخصصات الباحثين في هذا الصدد. فعلماء السياسة يعرفونه بطريقة مختلفة من علماء الاجتماع، وهؤلاء بدورهم يختلفون في تعريفهم له عن علماء النفس ، أو علماء الجريمة والقانون. كما أنه يعرف أحيانا بطرق تختلف باختلاف الأغراض التي يكون مرغوبا الوصول إليها، وباختلاف الظروف المحيطة أيضا .. مع ذلك سنقدم التعريف التالي للعنف ثم العنف الأسري لأنه يحتوي على العناصر الأساسية للعنف من جهة، ولكونه يهتم أيضا بالعنف الأسري الذي هو موضوع هذه الورقة من جهة أخرى.
يعرف العنف بأنه: (سلوك أو فعل يتسم بالعدوانية يصدر عن طرف قد يكون فردا أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة بهدف استغلال وإخضاع طرف آخر في إطار علاقة قوة غير متكافئة اقتصاديا وسياسيا مما يتسبب في إحداث أضرار مادية أو معنوية أو نفسية لفرد أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة أخرى).
وإذا ما أردنا تطبيق هذا المفهوم على الأسرة فإن العنف الأسري سيكون: ( أحد أنماط السلوك العدواني الذي ينتج من وجود علاقات غير متكافئة في إطار نظام تقسيم العمل بين المرأة والرجل داخل الأسرة، وما يترتب على ذلك من تحديد لأدوار ومكانه كل فرد من أفراد الأسرة، وفقا لما يمليه النظام الاقتصادي، الاجتماعي السائد في المجتمع).
وإذا ما أردنا الدقة والتخصص بتعريف العنف ضد المرأة لقلنا بأنه:
(السلوك أو الفعل الموجه إلى المرأة على وجه الخصوص سواء أكانت زوجة أو أماً أو أختا أو ابنة ، ويتسم بدرجات متفاوتة من التمييز والاضطهاد والقهر والعدوانية الناجم عن علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة في المجتمع والأسرة على السواء، نتيجة لسيطرة النظام الأبوي بآلياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية).
وإذا ما دققنا في التعريف السابق لوجدنا أن العنف يأخذ عدة أشكال تتدرج من الشكل البسيط إلى المعقد، وعليه فقط يكون العنف نفسيا أو جسديا أو تربويا أو اجتماعيا أو جنسيا. وهذه الأشكال من العنف تمارس بنسب متفاوتة في المجتمع العربي.
فإلى أي حد تؤثر علينا وسائل الإعلام بعرضها لمضامين عنيفة؟ وإلى أي حد أيضا يمكن استثمار وسائل الإعلام للتقليل من هذه المشكلة الاجتماعية أو محاربتها؟
وسائل الإعلام والعنف
بدأ الاهتمام بدراسة العنف وآثاره على الفرد والمجتمع بعد الحرب العالمية الأولى حيث زادت نسبة الجرائم والعنف والمشكلات الاجتماعية بشكل ملحوظ بعد هذه الفترة مما دفع بالباحثين التي تقصي الأسباب ودوافع ذلك حيث حاولوا معرفة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في التسبب بهذه المشكلات الاجتماعية من جهة، وتحديد الدور الذي تلعبه في التصدي لهذه المشكلات من جهة أخرى. وقد تمخضت دراساتهم عن نتائج كثيرة لخصت مسألة طبيعة الذي تحدثه وسائل الإعلام. ويمكن تلخيص هذه النتائج حسب تسلسلها كما يلي:
نظرية التأثير القوي أو المطلق (نظرية الرصاصة الإعلامية):
يرى أصحاب هذه النظرية أو وسائل الإعلام لها تأثير قوي ومباشر على الفرد والمجتمع يكاد يبلغ حد السطوة والهيمنة وهذا التأثير قوي وفاعل مثل الرصاصة، ولا يفلت منه أحد.
نظرية التأثير المحدود لوسائل الإعلام:
اهتزت نظرية الرصاصة الإعلامية أمام نتائج الدراسات الميدانية التي قام بها باحثون في ميدان علم النفس الاجتماعي حيث تبين لهم تأثير وسائل الإعلام محدود جدا إذا ما قورن بالتأثير الذي تحدثه عوامل أخرى أطلقوا عليها العوامل الوسيطة كالأسرة، واتجاهات الفرد، وقادة الرأي، والأحزاب، وعوامل أخرى كثيرة، تحول هذه العوامل دون التأثير المطلق أو القوي لوسائل الإعلام على الفرد.
نظرية التأثير المعتدل لوسائل الإعلام:
برز هذا الاتجاه في أواخر الستينات والسبعينات، ويعتقد أصحابه أن تأثير الوسائل الإعلامية على الفرد يتأثر بعوامل نفسية كثيرة ومتغيرات نفسية كثيرة، وكان التركيز القوي لهم على البعد النفسي. أي أسلوب الأفراد أمام وسائل الإعلام أكثر قوة من عوامل ومتغيرات مما يجعل التأثير معتدلا نوعا ما.
نظرية التأثير القوي:
يغترف أصحاب هذه النظرية بـتأثير وسائل الإعلام على الفرد والمجتمع. ولكنهم لا يقللوا من شأن هذه التأثير ولا يبالغوا فيه كثيرا. ولكنهم يقبلون بقوته وفاعليته إذا ما روعيت عوامل معينة، وإذا ما اتبعنا أساليب معينة، في مواقف معينة مثل تكرار الرسالة الإعلامية، ثم شموليتها ثم انسجامها وتوافقها. أن هذه الظروف والعوامل إذا ما روعيت فأنها تجعل من التأثير قويا.
آثار نشر العنف من خلال وسائل الإعلام
يرجع الخوف من نشر العنف والجريمة من خلال وسائل الإعلام إلى أن المشاهدين والمستمعين والقراء يقبلون عليها بشكل أكثر من غيرها. وأكدت بعض البحوث وجود علاقة وثيقة بين السلوك العدواني والتعرض لهذه المضامين.
ومن أهم الآثار التي تتركها مشاهدة العنف ما يلي:
1. رفع حدة الآثار النفسية والعاطفية عند الفرد مما قد يقود إلى ارتكاب سلوك عنيف تجاه الآخرين. ويتوقف سلوك الفرد العنيف (أي استجابته للمشاهدة) على مدى إحساسه وشعوره بالإحباط والضيق والتوتر.
2. تعزيز السلوك القائم بالفعل داخل الفرد. حيث تعمل المشاهدة للعنف أو قراءتها على تعزيز وتدعيم السلوك الموجود أصلا عند المشاهد وذلك لأن الشخص العنيف يسبب دوافع العنف داخله – يرى السلوك العنيف الملتفز على أنه تجربة حقيقية.
3. التعلم والتقاليد: من المعروف أن إحدى طرق تعلم الإنسان هي التقليد والمحاكاة، من هنا تأتي خطورة عرض أفلام العنف لأن البعض قد يقلدها على غرارها.
دور وسائل الإعلام في التصدي لظاهرة العنف
تستطيع وسائل الاتصال بأشكالها المختلفة أن تتصدى لظاهرة العنف الأسري بأشكاله المختلفة. ولنبدأ بالدور التوعوي والتثقيفي لهذه الوسائل. في الواقع، فأن الحديث عن الجهود التوعوية – التثقيفية يقودنا للوقوف أمام فرضيتين أساسيتين هما:
الفرضية الأولى: وهي فرضية الاتجاه السلبي، تدعي هذه النظرية بأن وسائل الإعلام تساهم في انتشار العنف وذلك من خلال المضامين التي تضعها في متناول الجمهور من خلال التلفاز والصحف والمجلات والفيديو والأفلام السينمائية – الخ.
لذا يطالب أصحاب هذه الفرضية برقابة مشددة على المحتويات الإعلامية العنيفة كالإساءة للمرأة، أو الطفل، أو كبير السن، أو أي فرد من أفراد الأسرة، كما أنهم يرون أن التخطيط البرامجي الهادف مع الرقابة قادران على تحويل وسائل الاتصال إلى أدوات فعالة لمواجهة العنف الأسري.
أما الفرضية الثانية، وهي فرضية الاتجاه النشط أو المشارك، فيتعدى تصورها نطاق الرقابة والبرمجة البناءة ليصل إلى حد مساهمة وسائل الإعلام ومشاركتها المباشرة والصريحة في التصدي لمشكلة العنف الأسري وذلك من خلال جهود توعوية مدروسة ومتكاملة يتم تنفيذها في إطار سياسة وطنية. وهذا يعني أن وسائل الإعلام يمكن استغلالها عن طريق الحملات الإعلامية التي تسعى إلى استبدال المعلومات الخاطئة حول مفهوم العنف، ومخاطره وآثاره على الأسرة والمجتمع بمعلومات حقيقية ودقيقة وذلك باستخدام وسائل إعلامية مخصصة لهذه الغاية.
وعند الحديث عن إستراتيجية إعلامية تحاول التصدي لهذه الظاهرة فإننا في الواقع نتحدث عن سياسة اتصالية تقوم على عدة مرتكزات حتى يتم لها النجاح. ولعل أهم هذه المرتكزات هو إعطاء حقائق رقمية عن طبيعة هذه المشكلة وحجمها ثم خصائص مرتكبيها النفسية والاجتماعية والعمرية والثقافية.
ثم بعد ذلك تحديد من هذه الحملة الجهات المقصودة بالتوعية؟ ما هي خصائصهم؟ ويدخل ضمن هدف أو أهداف هذه الحملة تحديد مدى الضرر أو الآثار السلبية التي يتركها العنف على الأسرة والمجتمع المحلي والمجتمع الكبير على حد سواء.
ويجب ألا يغيب عن بال القائمين على هذه الحملة أنها يجب أن نرتكز في مضامينها وتوجهاتها على العناصر الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تميز مجتمعنا الأردني عن سواه.
ويلعب الدين دورا أساسيا في هذا المجال حيث أنه يمكن، بل يجب استثماره في توضيح الآثار السلبية للعنف على المجتمع، والإكثار من الآيات الكريمة التي تدعو إلى التسامح والابتعاد عن التهور والجور والظلم. وهنا يستطيع الوعاظ ورجال الدين وأئمة المساجد القيام بدور كبير في هذا المجال.
ويمكن لمديري هذه الحملة الوطنية أيضا أن يستعينوا بقادة الرأي في المجتمع ليكونوا بمثابة جماعات ضاغطة ومؤثرة في غيرهم. ويلعب قادة الرأي في مجتمعات العالم الثالث بشكل عام أدوار كبيرة في التأثير على بقية أفراد المجتمع المحلي، شريطة، أن يكونوا هم أنفسهم (أي قادة الرأي) مقتنعين بهذه الحملة.
ومن القضايا الأساسية التي تجب مراعتها في تصميم الحملات الإعلامية في مجال التصدي للعنف الأسري هو التصميم الدقيق للرسائل الإعلامية المستخدمة. إذ يستلزم الأمر منهم أن يعرفوا كيف يستخدموا أساليب الإقناع المعروفة كالوضوح، والدقة والصحة، والكمال، واللطف ثم الإيجاز. وفي نهاية هذه الورقة فإنني أود أن أقدم بعض التوصيات في هذا الصدد:

* التقليل قدر الإمكان من إذاعة أو نشر الأخبار التي تحث على العنف أو تتضمن مفاهيم ذات علاقة بالعنف أو تشجع عليه.
* تصميم برامج إعلامية توضح فيها حقوق المرأة وحقوق الطفل وكبار السن.
* تدريب الصحافيين في مجال المسائل المتعلقة بالمرأة والأطفال والأسرة.
* تدعيم البرامج التي تعالج محتوياتها مسائل وموضوعات تتعلق بالمساواة بين الجنسين.
* العمل على تحسين صورة المرأة في وسائل الإعلام المختلفة من خلال برامج تثقيفية توضح ضرورة إلغاء التمييز الممارس ضدها وخطورة ذلك على أبنائها.
* الابتعاد عن عرض الأفلام أو المسلسلات التي تصور المرأة بأنها ذات عقلية دونية، إنها ذات عقلية كيدية تآمرية.
* ابتعاد وسائل الاتصال الجماهيري عن البرامج الإعلامية التي تتعامل محتوياتها مع حلول المشكلات والخلافات العائلية بالعنف والقسوة والقوة... والتركيز على حل المسائل الخلافية داخل الأسرة بالتفاهم والمنطق والأسلوب العلمي.
* تسوية الخلافات بالابتعاد عن العنف.

أبو باسل
إعلامي نشيط
إعلامي نشيط

ذكر
عدد الرسائل : 35
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى