المجتمع ومفهوم القتل على خلفية الشرف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المجتمع ومفهوم القتل على خلفية الشرف

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء سبتمبر 12, 2007 5:30 am

قتل النساء على خلفية شرف العائلة

المجتمع ومفهوم القتل على خلفية الشرف


لقد بدأ القتل على خلفية الشرف يلقى اهتماما واسعا بين الأوساط النسوية والحقوقية على عدة مستويات، وأصبح يتم تناوله بدون إحراج أو تردد، من منطلق أن القتل على خلفية الشرف هو جريمة بحق الإنسانية والمرأة. كما أن العديد من المؤسسات النسوية والحقوقية تعمل مع النساء المعنفات اللواتي تتعرضن للعنف والمهددات بالقتل من خلال توجههن لهذه المراكز للاستشارة. ورغم ذلك ما زالت الدراسات في مجال قتل النساء والقتل على خلفية الشرف في المجتمع الفلسطيني قليلة جدا.

لقد أشير في المقدمة إلى أن هذه الظاهرة لها علاقة بشرف العائلة، ففي المجتمع العربي "تشكل العائلة وحدة اجتماعية إنتاجية، وتتجلى الوحدة بتوحد الهوية بين أفراد العائلة، فيشتركون معا بإنجازاتها وإخفاقاتها، بانتصارها وفشلها، بأفراحها وأتراحها، بشرفها وعارها...الخ. كل عمل مشرف يقوم به أي فرد من العائلة يصبح شرفا لجميع أفراد العائلة، وكل عمل مشين يقوم به أحدهم، يصبح عملا مشينا للجميع. ومن هنا الفرد في العائلة يكون عضوا أكثر منه فردا مستقلا، وأن العلاقات ضمن العائلة هي، ببساطة علاقات بين أعضاء أو عضوات وأدوار تعرف بالأب، الأم، الزوج...الخ. بموجب هذه العضوية والتوحد في الهوية، يصبح كل فرد في الأسرة مسؤولا ليس عن تصرفاته الشخصية فحسب، بل عن تصرفات الأفراد الآخرين. من هنا، مثلا، ينعكس انحراف البنت في العائلات التقليدية خاصة على العائلة كلها ولا يمس الفتاة وحدها. هنا ترقد جذور جرائم الشرف التي هي محاولة يائسة من قبل العائلة لاستعادة شرفها"(بركات، 1999،ص 175-176).

من خلال تحليلنا لتعريف العائلة الوارد أعلاه، يمكن أن نستنتج أن جرائم القتل على خلفية الشرف ناجمة عن سلوكيات المرأة والتي تعتبرها العائلة مشينة لسمعتها فهذه الجريمة هي "قتل نفس بريئة (أنثى) بسبب المفاهيم الاجتماعية، التي تختلف من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر، والتي تكرس ارتباط الشرف بالأنثى ونقاء سيرتها من أي علاقة مشتبهة وغير مشروعة بالرجل، الأمر الذي يبرر قتل الأنثى غسلا للعار وحماية للشرف المزعوم." (زغبابة،1998،ص1).

يقترح مما سبق أن العادات والتقاليد الموروثة تلعب دورا أساسيا في تعزيز وتكريس هذه الظاهرة. فالتركيز على قيمتي الشرف والاحتشام تكتسب أهمية كبيرة في المجتمع العربي حيث يصبح لجسد المرأة وضعية في النظام القيمي التقليدي عن طريق تقسيم العمل وحصر دور المرأة في العمل المنزلي وإنجاب الأطفال. أهمية هاتين القيمتين تعدان من القيم الأساسية التي تعطي الشرعية للنظام الأبوي في المجتمع العربي الذي يقوم على هيمنة الرجل على المرأة وهيمنة الكبار على الصغار، مما يعني توزيعا هرميا للسلطة على محوري الجنس والسن (التركي وزريق،1995،ص 80). فالمرأة العربية هي دائما كائن بغيره لا بذاته، فهي تعرف من خلال كونها زوجة فلان، أم فلان، أو ابنة فلان...الخ. ويساعد على ذلك آلة الزواج حيث تفقد المرأة شخصيتها وتعيش في حالة دنيا. ومن الجدير بالذكر أن المرأة تعاني من هذه الدونية منذ الولادة حيث تفضيل إنجاب الذكور على الإناث، والتفرقة بين الأخوة ووصايتهم عليها حتى لو كانوا أصغر منها، وتفضيل تعليم الذكور على الإناث أو حرمان الفتاة من التعليم. أما ما يتعلق بالعمل، فالرجل يتسامح أو يتشدد مع عمل المرأة، حسب ما تتطلبه مصلحته الاقتصادية في كل حالة على حدة، فهو يتسامح مع خروج المرأة للعمل في الأرياف ولا يعتبر هذا منافيا للشرف لأن خروج المرأة نابع عن ضرورة اقتصادية. بينما يكون أكثر تشددا في المدينة، حيث أنه إذا أصبح خروج المرأة للعمل في المدينة ضرورة اقتصادية تسامح الرجل، مع ذلك، وإن أصر على الحجاب كشرط من شروط الشرف، ويبقى له وحده حق التصرف بدخلها باعتبار أنها ملك له، وأن لم تعمل المرأة يظل نشاطها محصورا في نطاق تلبية حاجات البطن (أي حصرها بالدور الإنجابي) وتبقى عبدة المنزل (أنظر/ي سعيد، 1991،ص71 والزيات، 1993،ص166).

نستنتج مما سبق أن مفهوم الشرف يرتبط فقط بالحفاظ على الأعضاء الجنسية (غشاء البكارة) الذي ارتبط فقط بالمرأة. بينما شرف الرجال لا يتعلق بسلوكهم وإنما يتعلق بسلوك زوجاتهم أو بناتهم أو أمهاتهم. فالرجل الفاسق شريف إذا كانت زوجته لا تخونه مع رجل آخر، والرجل المنافق شريف طالما ابنته تحافظ على عذريتها قبل الزواج، فشرف الرجل يتعلق بسلوك زوجته في البيت ولا يتعلق بسلوك هذا الرجل أو قدرته على العمل والصدق، وهذا مفهوم مضحك للشرف حيث يهبط بمستوى الشرف إلى منطقة سفلية في جسم المرأة لا تزيد عن غشاء البكارة (السعداوي1977،ص33 ) مقابل تغييب المعاني الأخرى السامية للشرف. ويتحدد معنى الشرف في المجتمع مع مصلحته، التي تتغير بتغير ميزان القوى فيه، فالقوى الغالبة أو الطبقة الأقوى هي التي تحدد معنى مصلحة المجتمع. ولأن الرجل كان في مختلف عصور التاريخ ولا يزال الأقوى اقتصاديا من المرأة فقد فرض على المرأة معنى شرف يناسبه ويحقق مصلحته، فأصبح معنى الشرف فيما يتعلق بالمرأة يكاد يكون مقصورا على العفة الجنسية (الزيات، 1993،ص 166). ونتيجة لذلك برزت التناقضات التي تكتنف كيان المرأة من حيث الازدواجية في التعامل مع جسدها، فهي نجس والعلاقة الجسدية خارج مؤسسة الزواج خطيئة مميتة أو من الكبائر التي تستحق عليها الرجم. وجسم المرأة وما يطرأ عليه من عوارض نجس، ومع ذلك فإن هذا الجسد نفسه يتمتع بأهمية لا مثيل لها. كما يحاط بهالات وطقوس والمساس به مساس بقدسية الأسرة أو القبيلة وهو انتهاك (للشرف) عقوبته القتل غسلا للعار في حمى القوانين أو تساهلها (سعيد، 1991،ص 74).

يقترح التحليل السابق أن ما يسمى بجريمة القتل على خلفية الشرف ينبع من السلطة الذكرية في المجتمع والإبقاء على هذه السلطة من خلال ضبط سلوكيات المرأة. فالتساؤل المهم على خلفية هذا الموضوع هو "هل بقيت الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها هذه "الجريمة" غسل عار الأسرة" في مجتمع متغير؟ فجرائم الشرف ضد المرأة ليست مسألة حديثة، لكن في أغلب الحالات كانت تبقى طي الكتمان داخل العائلة الواحدة. فالأدبيات المتوفرة التي تعالج هذه المسألة قليلة جدا كما أنها تتطرق للموضوع بشكل عام. ويعود ذلك إلى حساسية الموضوع في المجتمع العربي وذلك بسبب كون هذه الظاهرة نتاج موروث ثقافي ذكوري يفرض على المرأة الانصياع لمنظومة من الممارسات الاجتماعية التي يفرضها الرجل على أقاربه من النساء. وأيضا لعدم توفر العوامل المساعدة لدراسة هذا الموضوع، فالإحصاءات المتوفرة لا تشير بشكل مباشر لسبب القتل وتعطي أسبابا أخرى، أو من الممكن أن تسجل هذه الجرائم في ملفات الشرطة تحت انتحار أو تحت أمور عائلية أو لأسباب أخرى غير منطقية (مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص32).

فالقتل على خلفية الشرف هو أحد أشكال العنف المبني على أساس الجنس ضد المرأة (مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص30). فالقتل على خلفية الشرف هو جريمة يرتكبها رجل بحق امرأة تربطه بها قرابة من الدرجة الأولى كما ذكر سابقا، ويكون الدفاع عن الشرف، الدافع لارتكاب الجريمة سواء كانت قتلا أو إيذاء. أما السلوك الذي يعتبر ماسا بالشرف فهو السلوك الذي ينطوي على اتصال جنسي غير مشروع يجلب العار على العائلة وفقا للتقاليد والعادات السائدة في المجتمع (خضر، 1999،ص 8 و زغبابة، 1998،ص 1). فمن خلال دراسة أجريت في الأردن (13/12/1998) لمعرفة دوافع العنف ضد المرأة احتل القتل على خلفية الشرف المرتبة الأولى من الدوافع. بلغت النسبة 55% من نسبة جرائم العنف الموجه ضد المرأة. أما فيما يتعلق بصلة الجاني بالضحية فقد احتل الأخ نسبة 75% أي المرتبة الأولى من الجناة، أما فيما يتعلق بخصائص الجناة فقد وجد أن معظمهم من الشباب ويتمتعون بمستوى تعليمي متدن ومن أصحاب الدخل المتدني (زغابنة،1998،ص1).

ومن الملاحظ أن مفهوم القتل على خلفية الشرف في المجتمع العربي وفلسطين كجزء من هذا المجتمع متشابه في تفسيراته المتعلقة بالمرأة. إلا أن هذا المفهوم تغير في معانيه وبالتفسيرات التي تعطى له فيما يتعلق بسلوك المرأة وتصرفها في مجالي العلم والعمل، وتأثره بالفترات التاريخية والاقتصادية التي مر بها المجتمع. بالإضافة إلى ارتباطه وتأثره بتراث كبير من العادات والتقاليد والأعراف والأيديولوجيات التي تكبل سلوك المرأة وتجعلها أسيرة هذا الموروث الثقافي التقليدي.

تناقش أحد الدراسات التي تعالج موضوع جرائم الشرف (عبده، 1999) تغير مفهوم الشرف في المجتمع الفلسطيني بحسب الفترة الزمنية. فالفترة من 1948 إلى 1967 لم تخرج المرأة في الأرياف للعمل المأجور، مما حكم عليها بالعمل في إطار الاقتصاد المنزلي دون أن يكون لها أي دور في مقايضة إنتاجها أو مبادلته. كما أنه لم يسمح لها بالمشاركة في الحياة العامة حيث اقتصرت مشاركتها في فترة الاضطرابات السياسية والنزاع المسلح، وكان ذلك لا يتعدى نقل الغذاء والذخيرة. بينما المرأة البدوية في نفس الفترة كانت تجسد دونية وضعها ومعاملتها كمتاع وجسدها وتفكيرها ليسا لها، وأن كانت تتمتع بحرية فكان ذلك نابع من حاجات اقتصادية لرعي الماشية لمصلحة القبيلة. بينما من ناحية أخرى كانت تتعرض لقيود قبلية وتقليدية صارمة بسبب ما يسمى بعادة "غرة اليد"[i]، التي تعكس ازدواجية المعايير الخلقية فيما يخص العرض والشرف. فحسب مفهوم الشرف تقتل الفتاة إذا مارست الجنس بإرادتها، حيث أن المفهوم السائد أن تحافظ المرأة على العرض الذي يرتبط بعفتها الجنسية وعذريتها حتى الزواج. بينما هذه العادة توضح أن القبيلة تتنازل عن العرض ولا يعتبر ذلك منافيا للأعراف. أما المرأة في المدينة فكان هناك عدة عوامل في تلك الفترة ساعدت على تدني وضعها، منها، تعرضها للانعزال بالإضافة إلى ظهور الحجاب في فترة الخمسينيات كنوع من التقاليد الصارمة. إلى جانب ذلك كانت وسائل الإعلام والاتصال والخدمات معدومة، واتسام الأحزاب بالعشائرية والذكورية التي لا مكان للنساء فيها.

أما الفترة ما بعد 1967، من الممكن اعتبارها نقلة نوعية في وضع المرأة الفلسطينية، حيث أصبح لها دورا اقتصادي جديد. يعود ذلك إلى سياسات انتهجها الاحتلال مثل الاقتلاع والتشريد وفقدان الأرض كوسيلة إنتاجية وكمصدر للرزق، والذي سبب تدهورا في وضع الأسرة الفلسطينية، مما دفع المرأة لدخول سوق العمل. وتقاسمت مع الرجل أعباء حماية الأسرة من الفقر والجوع والمرض، مما أكسبها سيطرة اقتصادية داخل الأسرة. فخروج المرأة للعمل اليومي خارج البلد أدى إلى تحطيم العادات والتقاليد التي كانت تحيط بالمرأة والسماح لها بالعمل في مجالات لم تكن تسمح بها الأسرة سابقا. ولم يعد خروج المرأة للعمل المأجور عيبا أو مرتبطا بالشرف نتيجة الضرورات الاقتصادية، بل وأمام هذه الحاجة الاقتصادية فتحت مجالات التعليم أمام المرأة لتكون أكثر تأهيلا وقدرة على القيام بالأعمال التي تدر دخلا أكبر. وبذلك تحطمت حصون الشرف المنيعة التي طالما أعاقت خروج الفتاة من البيت إلى المدرسة(عبده، 1999،ص 18-20).

لكن هذا التطور الذي طرأ على مفهوم الشرف لم يمنع قتل النساء على خلفية الشرف، حيث تبين من خلال دراسة (كيفوركيان، 2001 التي أجرتها من خلال مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي) على وجود هذه الظاهرة في المجتمع الفلسطيني. فالدراسة قامت بمراجعة ملفات الشرطة في الفترة ما بين 1996-1999 فوجدت أنه تم توثيق 38 حالة قتل، 12 منها في الضفة 26 في قطاع غزة، وتبين أن هذه الجرائم تمارس من قبل الأقارب من الدرجة الأولى وخصوصا الأب والأخ والعم. فالرجل في العائلة يتحكم بسلوك وتصرفات المرأة بما يراه منسجما للحفاظ على شرفها والتهديد بالقتل لمجرد الاشتباه بسلوكها. وإحاطتها بأجواء تتمثل بعدم الثقة والتمييز والانصياع للتشكيك من قبل الأقارب والجيران أو المجتمع المحيط دون إثباتات قاطعة أو بسبب التشكيك بوجود علاقة جنسية أو عاطفية(مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص35). كما تبين أيضا من خلال هذه الدراسة أن الحالات المسجلة رسميا في سجلات الشرطة هي أقل من العدد الفعلي لقضايا القتل. ويعود هذا إلى عدم تسجيل هذه القضايا بطريقة منتظمة ومنهجية أو بسبب حساسية هذه القضايا، فيتم حصرها في إطار الأسرة وخوف العديد من النساء بالإفصاح عنها. وهنالك سبب آخر، وهو أن عشرات جرائم الشرف تعالج من قبل المخاتير والعشائر ومن خلال أسلوب "الطبطبة" ولملمة الموضوع مستندين إلى العادات والتقاليد التي تعد المحرض الأساسي للقتل على خلفية الشرف (مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي،2001،ص32). بالتالي فلو طبق القانون – المغيب اصلا في هذا المجال – لبدا قاصراً، حيث أن التشريعات والقوانين الجزائية عاجزة عن حماية المرأة. وذلك لوجود نصوص تمنح الجاني عذرا مخففا أو محلاً. وهذا يعد تشجيعا للجاني لارتكاب جريمة القتل. (أنظر/أنظري قانون العقوبات الأردني رقم 16 لعام 1960 المطبق في الضفة الغربية).

فالأعذار المحلة هي ظروف معينة ينص عليها القانون تؤدي في حال توافرها إلى إعفاء الشخص الذي يثبت قضائيا ارتكابه للفعل الجرمي من أي عقاب. أما الأعذار المخففة فهي ظروف معينة ينص عليها القانون وتؤدي في حال توافرها إلى إعفاء الشخص وتخفيف العقوبة وتعديل طبيعة الحكم، كأن يكون جناية فيصبح جنحة. ويتم تغييب القانون في هذا المجال الذي إذا طبق في هذه الحالات نرى مدى قصوره.

هنالك العديد من القوانين التي يحتكم إليها في موضوع القتل على خلفية الشرف، فالتشريعات والقوانين العربية تأثرت بعدة عوامل، أهمها اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع في معظم البلاد العربية. وعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية عالجت تعسف الإنسان وتسلطه ودعت إلى المساواة والعدل، وحددت العقوبات المتعلقة بقضايا الزنا وغيرها من السلوكيات، إلا أنه بسب سوء فهم المشرعين لفقه الشريعة ، وطغيان العادات والتقاليد المجحفة بحق المرأة بقيت القوانين والتشريعات منحازة للرجل. وجدير بالذكر أن النصوص المتعلقة بجرائم الشرف و غيرها من النصوص المجحفة بحق المرأة ذات جذور غربية تم تعديلها في موطنها الأصلي فيما تمسك بها المشرع العربي وغلفها بنوع من القدسية (خضر، 1999،ص 4-18).

دراسة فلسطينية حديثة تتعلق بقتل النساء في المجتمع الفلسطيني (كيفوركيان، 2001) تأخذ منحى مختلف نسبيا عن الدراسات السابقة التي أشير إليها من حيث تعريف مفهوم الشرف والقتل على خلفية شرف العائلة. تنطلق الدراسة من أن النساء يصبحن ضحايا لجرائم القتل بسبب كونهن إناثا لا أكثر، فقتل الإناث ليس مقتصرا على مجتمع دون آخر. فتشير إلى العديد من الدراسات التي تناقش موضوع قتل الإناث من حيث أن المرأة هي الضحية الرئيسة وعادة تكون في نطاق المنزل الذي تشارك فيه مع مرتكب الجريمة. ودراسات أخرى بينت تواجد عوامل ديمغرافية وظرفية ذات أثر في قتل الإناث من قبل أقربائهن الذكور. وتشير إلى أن ملكية الذكور للنساء سبب رئيسي للعنف من جانب الذكور في الحالات المرتبطة بالعلاقات الجنسية. علاوة على ذلك الاستخدام الروتيني لإجراءات قانونية تمييزية في حالات قتل الإناث وهذه الإجراءات تتواجد تقريبا في العديد من الدول منها الغربية أيضا. كما تشير إلى أن العديد من الدراسات تقترح أن إعطاء المبرر لقتل الإناث على أساس "الشرف" يجعل هذه الجرائم مرنة للغاية بحيث تتسع لمجال واسع من الأشكال. تستشهد كيفوركيان بشنايدر حيث يكتب "...أن الشرف، في سياق العلاقات الاجتماعية، يمكن أن يفهم على أنه "أيديولوجية الفئة المهيمنة التي تكافح لإبراز إرثها وتوسيعه وحمايته في ساحة يسودها التنافس"

فتعرف هذه الدراسة قتل الإناث على أنه "جميع الأفعال العنيفة التي تسبب ذعرا دائما في النساء أو الفتيات من أن يقتلن بمبرر "الشرف". كما أن الدراسة تعرف أربع أنماط لقتل الإناث: النمط الأول يتعلق بشعور الضحية بأنها تحت التهديد بالقتل خوفا من أن تكتشف العائلة أنها كانت ضحية سفاح قربى أو اغتصاب أو أنها فقدت عذريتها. بينما النمط الثاني يوجه للضحية تهديداً لفظياً وغير لفظي مثل التلويح بالسكين والنمط الثالث تقع الفتاة تحت فعل بدني (الطعن أو الخنق) ولكن دون أن تتوفى. النمط الرابع هو القتل الفعلي للضحية .

لقد عرفت الدراسة 3 حالات قتل فعلي (من النمط الرابع)[ii]، ثلاثتهن من قرى، اثنتان من الشمال وواحدة من الوسط، اثنتان منهما عازبات وواحدة مطلقة. اثنتان منهن قتلن خوفا من الإخلال بشرف العائلة والخوف من الفضيحة الاجتماعية. لكن من خلال مقابلة وجهاء العشائر دللت على أن نمط القتل الفعلي أعلى بكثير في منطقة الجنوب (الخليل) حيث ورد من الوجهاء أن النمط الرابع من قتل الإناث الفعلي إما أن يستتر خلف حالات وفاة غير جنائية أو أن يتم إخفاؤه كليا. يظهر مما سبق أن هنالك أعدادا من النساء تقتل على خلفية الشرف دون أن توثق وهذا ما توضحه الدراسة. بالنسبة لموقف وجهاء العشائر من القتل على خلفية الشرف فاتضح من خلال المقابلات معهم أنهم مؤيدون لها من حيث تأكيدهم أن الانتهاكات المرتكبة بحق العرض والأرض تجلب العار للعائلة (الذكور) إذا لم يتم الثأر لها. يؤكد ذلك أن الأرض والعرض هي ممتلكات قيمة يجب صونها حسب التقاليد العربية ( كيفوركيان المصدر السابق،الصفحات على التوالي، 65،67،40،41،22،21،20،18).

كما أن الدراسة وجدت أن النسبة الأعلى من النساء (كما عبرت عن ذلك النساء أنفسهن) المهددات بالقتل على خلفية الشرف من القرى (18)، تليها المدينة (9)، والمخيم (6)، والبادية (1). وفي مجال آخر وهو وجود النميمة والشائعات عدد النساء اللواتي عبرن عن إحساسهن بأنهن مهددات في القرية (9)، والمدينة (6) والمخيم (1) والبادية لا أحد. وفي مجال الرفض الاجتماعي في افتضاح الإيذاء نجد أيضا نسبة النساء من القرى اللواتي يعبرن عن إحساسهن بأنهن مهددات هي الأعلى (11)، والمدينة (5)، والمخيم والبادية لا أحد (كيفوركيان، 2001،ص 42). تشير هذه الأعداد الى أن القرية وتليها المدينة الأكثر عرضة للقتل على خلفية الشرف. لقد أكدت الدراسة على أن القتل هو الخيار الوحيد المقبول اجتماعيا حيث أكدت عليه النساء من مناطق الشمال والخليل وغزة وهذا يتماشى مع الثقافة الاجتماعية السائدة، أما في مناطق الوسط فان نفوذ الطابع المحافظ يكون أقل (كيفوركيان، 2001 : 43).

يمكن أن نستنتج مما سبق أنه ما دام الرجل في المجتمع هو صاحب القرار ليس فقط على المستوى الاجتماعي لكن على نفس المستوى الاقتصادي والسياسي فقضية القتل على خلفية الشرف ستبقى تراوح مكانها والمرأة ستبقى الضحية. من هذا المنطلق يجب العمل على توسيع العمل الديمقراطي لتكون المرأة جزءا أساسيا في تطويره وإدماجه في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأن ينظر إلى قضية القتل على خلفية "الشرف" أنها قضية حقوقية إنسانية يجب التخلص منها ومن يخالفها يجب معاقبته قضائيا كأي جريمة أخرى لأنها تتعلق بقتل إنسان برئ.

Admin
المحرر المسئول
المحرر المسئول

عدد الرسائل : 57
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://montada.ephpbb.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى